الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

379

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

فإذا كان الجواب بالنفي ، فلم إذاً يشترط المنكر أن الكرامة يجب أن تكون مما جرى على يدي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ؟ . لقد تواتر عن أئمة الأمة المحمدية وحفاظها عدد هائل من كرامات الأولياء والصالحين ، ابتداءاً بعصر الصحابة ، وتوسطاً بعصر التابعين وتابعيهم ، وانتهاءاً ببقية العصور ، من شتى أنواع الكرامات والتي لم يسند أن حضرة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم قد قام بمثلها ، فهل يعني ذلك أن هذه الكرامات غير صحيحة مع تواترها في النقل ؟ إن الخوارق ليست من الأقوال والأفعال التكليفية على الأمة ، وإنما هي ثمرة من ثمار التقوى ، وعلى قدر التقوى يكون التكريم عند الله تعالى ، يقول سبحانه : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ « 1 » . ولهذا فلا يشترط فيها ما يشترط في بقية الواجبات والسنن الشرعية . فالأصل فيها الإقرار بل والنص على ثبات وجود المعجزات للأنبياء والكرامات للأولياء والصالحين ، وهذا مما لا يختلف فيه اثنان من أهل ملة الإسلام ، وأما نوعية تلك الخوارق وكيفيتها فأمرها إلى الله تعالى . لقد كان لسيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أسلوبه ومنهجه الذي علمه إياه الخالق جل وعلا في الدعوة إلى الله ، فكان كما وصف نفسه الشريفة مدينة للعلم الإلهي في هذا المجال وكل مجال ، ولقد خلف باباً مفتوحاً لهذه المدينة في كل زمان تقتبس من معين هذا العلم وتنشره في كل جيل بأسلوب ومنهج يناسب ذلك الجيل ، ومن تلك الأساليب تغير لغة الحوار وطريقة نقل العلوم والأفكار ، وكذلك تغير نوع الخوارق وطريقة إظهارها ، وكل ذلك بإذن الله تعالى ومشيئته . فعاليات الدروشة وأذية النفس منهم من يقول : أن الإسلام حرم أذية النفس كما في قوله تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ « 2 » ، فكيف يتفق ذلك مع فعاليات الدروشة على ما في هذه الفعاليات من مظاهر واضحة في أذية النفس ؟

--> ( 1 ) - الحجرات : 13 . ( 2 ) - البقرة : 185 .